أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
196
العقد الفريد
ونكره الإسراف والبخل ، وما نعطي تبذيرا ، ولا نمنع تقتيرا ، وما نحن إلا خزّان اللّه في بلاده ، وأمناؤه على عباده ، فإذا أذن أعطينا ، وإذا منع أبينا ، ولو كان كل قائل يصدق ، وكل سائل يستحق ، ما جبهنا « 1 » قائلا ، ولا رددنا سائلا ؛ ونسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا ، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، إنه بعباده خبير بصير . فقالوا يا أمير المؤمنين ، لقد تكلمت فأبلغت ، وما بلغ كلامه ما قصصت . قال : إنه مبتدئ ، وليس المبتدئ كالمقتدي . وذكروا أن العباس بن الوليد وجماعة من بني مروان اجتمعوا عند هشام ، فذكروا الوليد بن يزيد وعابوه وذموه ، وكان هشام يبغضه ، ودخل الوليد ، فقال له العباس : يا وليد ، كيف حبّك للروميات ، فإن أباك كان مشغوفا بهن ؟ قال : كيف لا يكون وهن يلدن مثلك ! قال : ألا تسكت يا ابن البظراء ؟ قال : حسبك أيها المفتخر علينا بختان أمّك ! وقال له هشام : ما شرابك يا وليد ؟ قال : شرابك يا أمير المؤمنين . . . وقام يخرج ، فقال لهم هشام : هذا الذي زعمتموه أحمق . وقرّب الوليد بن يزيد فرسه فجمع جراميزه « 2 » ووثب على سرجه ، ثم التفت إلى ولد هشام ، وقال له : هل يقدر أبوك أن يصنع مثل هذا ؟ قال : لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا . فقال الناس : لم ينصفه في الجواب . العتبي عن أبيه ، قال : سمعت معاوية بن عمرو بن عتبة يحدث قال : إني لقاعد بباب هشام بن عبد الملك ، وكان الناس يتقرّبون إليه بعيب الوليد بن يزيد ، قال فسمعت قوما يعيبونه ، فقلت : دعونا من عيب من يلزمنا مدحه ، ووضع من يجب علينا رفعه . وكانت للوليد بن يزيد عيون لا يبرحون بباب هشام ، فنقلوا إليه
--> ( 1 ) جبهنا ، دفعنا . ( 2 ) جراميز الرجل : جسده وأعضاؤه .